فكّرت في دليلة. ست عندها 24 سنة، قوية وذكية، بتشتغل في الحقول تحت شمس بتحــ,,ـــــرق… وأنا عارف إني ماقدرش حتى أتشابك معاها دراع بدراع. تاني يوم الصبح، وجسمي بيرتعش من الأدرينالين، رحت أكواخ العبيد — مكان نادرًا ما كنت بدخله. استنيت لحد الغروب لما رجعت من الحقول. لما دخلت كوخها وشافتني واقف، عينيها امتلوا حذر.
حكيتلها كل حاجة. حكيتلها خطة أبويا عشان يستخدمها كفرس. شوفت وشّها بيتحوّل من صدمة… لاستسلام مرعب. — يعني القاضي ناوي يستخدمني كحيوان؟ — سألت. قلت لها: — أيوه. وعشان كده لازم نهرب. قالت دليلة وهي بتبصلي بعينين مليانين خوف: — وإنت فاكر إننا لو هربنا هنروح فين؟ ماعرفتش أرد. لأول مرة، اكتشفت إن كلمة «نهرب» أسهل بكتير من تنفيذها. كنت أنا ابن القاضي، حتى لو كنت في نظره ابنًا معيبًا.
وهي كانت امرأة مستعبدة، لا تملك حتى حق تقرير المكان اللي هتنام فيه الليلة. لكن كان عندي شيء واحد أقدر أستخدمه. المعرفة. كنت عارف حسابات المزرعة، مواعيد تبديل الحراس، أماكن المخازن، وطريق النهر. والأهم، كنت عارف إن أبويا هيبدأ تنفيذ خطته خلال أيام. قلت لها: — هنخرج من المزرعة الليلة. هزّت راسها بسرعة. — ولو مسكونا؟ بصيت لها وقلت: — ساعتها على الأقل هنكون حاولنا. في نفس الليلة، خرجنا من الكوخ قبل منتصف الليل.
دليلة كانت لابسة هدوم بسيطة، وأنا أخدت معايا شوية فلوس، خريطة قديمة، وكتاب صغير كانت أمي سايباهولي. اتجهنا ناحية النهر. كنت بمشي بصعوبة، ورجلي بتوجعني، ودليلة كانت أوقات تضطر تسندني. كان الموقف كله ساخرًا بطريقة مؤلمة؛ أنا اللي المفروض أكون المنقذ، وهي اللي كانت بتسندني عشان أقدر أكمل. بعد حوالي ساعة، سمعنا صوت خيول. اتجمدنا مكاننا. الحراس. شدّت دليلة إيدي وهمست: — استخبى.
دخلنا بين الأشجار، والحراس عدّوا قريب جدًا مننا. سمعت واحد منهم بيقول: — القاضي قال إن البنت دي ماينفعش تخرج من المزرعة. التاني رد: — وابنه كمان ممنوع يخرج الليلة. عرفت وقتها إن أبويا اكتشف هروبنا. جرينا ناحية النهر. لكن قبل ما نوصل، لقينا مركب صغير مربوط على الشاطئ. ركبت دليلة، وبعدها ركبت أنا، وبدأنا نفك الحبل.
وفجأة… دوّى صوت رصاصة في الهوا. الرصاصة خبطت في الخشب جنب إيدي. سمعت صوت أبويا من بعيد: — توماس! وقفت. كان واقف على الشاطئ ومعاه رجالة مسلحين. — ارجع يا ابني. بصيت له لأول مرة من غير خوف. قلت: — مش هرجع. ضحك بسخرية. — هتعيش فين؟ وهتعمل إيه؟ إنت مش قادر تعيش من غير اسمي ولا فلوسي. بصيت لدليلة، وبعدها رجعت أبصله. — يمكن أكون ضعيف في جسمي… لكن مش هبقى ضعيف لدرجة أبيع إنسان.
وشدّت دليلة الحبل، والمركب بدأت تبعد عن الشاطئ. فضل أبويا واقف مكانه، بيبص لنا لحد ما اختفينا في الظلام. لكن الهروب ماكانش نهاية المشكلة. كان بدايتها. وصلنا بعد أيام لمدينة بعيدة، وهناك بدأنا نعيش بأسماء مختلفة. بعت جزء من ممتلكاتي الصغيرة اللي كانت باسمي، واستأجرت مكانًا متواضعًا. دليلة كانت أول مرة في حياتها تنام من غير ما تسمع صوت مشرف المزرعة. وأنا لأول مرة في حياتي كنت عايش من غير ظل أبويا فوق راسي.
لكن بعد أسابيع، وصلتنا أخبار من ميسيسيبي. القاضي ويليام كالاهان أعلن إن ابنه «مريض عقليًا»، وإن دليلة «هاربة وخطيرة». بدأ يبحث عننا. كنت عارف إن وجودنا مع بعض هيعرّضها للخطر. فقررت أعمل حاجة ماكنتوش أتخيل إني أقدر عليها. كتبت كل اللي حصل. كتبت عن خطة أبويا. كتبت عن تجارة البشر اللي شفتها بعيني. كتبت أسماء رجال شاركوا في استغلال المستعبدين. وبعت الأوراق دي لصحيفة كانت معارضة للعبودية. بعد أسابيع، بدأت المقالات تظهر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.