لم يتحدث إليها طوال الرحلة التزاماً بالوقار، وعندما وصلا مع اقتراب المساء، اصطحبها إلى منزل ضيافة خشبي نظيف ملحق بالمزرعة، قدم لها وجبة دافئة، ثم جلس قبالتها على طاولة خشبية وقال بصوت هادئ: «أعلم أنهم وصفوك بالمتمردة، فلماذا رفضت العمل في المزارع السابقة؟» نظرت إليه بثبات وقالت بصوت أجش: «لأنهم أرادوني أن أحمل ما لا يُطاق بأجور بخسة، وكانوا يعاملونني كآلة لا تحس، لا كعاملة بشرية تمتلك عقلًا ومهارة.
» ابتسم خواكيم وقال: «أنا لا أبحث عن آلة، بل أبحث عن شريكة عمل تمتلك كفاءة حقيقية لم يستطع أحد توظيفها في مكانها الصحيح.» ثم بدأ خواكيم يروي لها قصته؛ كيف توفيت زوجته وبقي وحيدًا مع مزرعته المثقلة بالديون لصالح البارون أراوخو، أقوى رجل في المنطقة، بمبلغ كبير من عملة الريس القديمة.
وإذا لم يسدد الدين قبل نهاية العام، فسيستولي البارون على مزرعته بالكامل. ثم أضاف أن البارون ينظم كل عام مسابقة كبرى لإدارة وتطوير الأراضي الزراعية وهندسة الري وبناء السدود الريفية، ويشارك فيها كبار المزارعين ومديرو الأراضي، والفائز يحصل على جائزة مالية ضخمة تكفي لسداد الديون ومضاعفة الإنتاج عشرات المرات. سألتها بنديتا باستغراب: «ولماذا تخبرني بكل هذا؟
» أجاب خواكيم بثقة: «لأنني رأيت فيك طاقة هائلة وذكاءً حادًا وقدرة استثنائية على التحمل والتنظيم، وهي مهارات تحتاجها مسابقة تطوير الأراضي الكبرى، لكن أحدًا لم يمنحك الفرصة لإبرازها.» عرض عليها صفقة عادلة: «سأدربك ونشترك معًا في مسابقة التطوير الكبرى بصفتك مهندسة ومشرفة ميدانية شريكة معي. وإذا فزنا، فسأقسم الجائزة بيننا بالتساوي، وتحصلين على رأس مال يكفي لبناء مستقبل مستقل تمامًا في أي مكان تختارينه.
» ترددت بنديتا قليلًا، ثم تذكرت سنوات التجوال والرفض في المزارع السابقة، ورأت الصدق في عيني خواكيم، فقالت بحزم: «أوافق، ولكن بشرط أن تُعاملني كشريكة عمل حقيقية لا كأجيرة.» أومأ خواكيم موافقًا بكل احترام. بدأ العمل الجاد في اليوم التالي. لم يكن تدريباً قتالياً، بل كان برنامجاً علمياً وعملياً مكثفاً لتطوير مهارات إدارة الأراضي والتحمل الهندسي وبناء السدود الزراعية المصغرة وشق قنوات الري بمهارة عالية.
كان خواكيم يمتلك كتباً هندسية قديمة، بينما كانت بنديتا تمتلك طاقة جبارة وذكاءً عملياً مذهلاً في توزيع الجهد وحل المشكلات الميدانية المعقدة بسرعة وبدقة متناهية. تدربت شهوراً طويلة طوال فترة الصيف والخريف، وأصبحت قادرة على إنجاز مهام شاقة تتطلب عادة خمسة عمال بمهارة وكفاءة مذهلتين. تحولت قوتها البدنية الهائلة إلى طاقة تنظيمية وهندسية فذة تستطيع التحكم بها بدقة تامة.
وفي أوائل شهر ديسمبر، حان موعد المسابقة السبرى التي أقيمت في أراضي البارون أراوخو الواسعة. زُين المكان بالفوانيس، وامتلأت الساحة بالمزارعين والمهندسين والتجار، وفي المقصورة الرئيسية جلست إدواردا، ابنة البارون، وهي تشرف على اختبارات الكفاءة وإدارة الأراضي بدقة حادة. عندما وصل خواكيم وبرفقته بنديتا كشريكة ومنافسة رسمية، ساد صمت مذهل تلاه بعض الهمسات الساخرة من الحضور الذين استغربوا مشاركة شابة بهذه الضخامة في مسابقة هندسية وزراعية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.