كنت بحبسها بالأيام في أوضة ضلمة من غير سبب، لمجرد إني مش قادر أشوف الوش ده قدامي. عدى عشر سنين كاملين وبقت عندها ١٥ سنه ونفس الوش اللي بكره متغيرش...ونفس الحقد في قلبي مقلش ابدا ولحد ما في يوم صحيت بدري عشان عندي مشوار، وكنت محتاج هدومي مكويه. مسكت جردل المية الساقعة زي عادتي عشان أرميه على وشها وأصحيها تلحق تكوي.
دخلت الأوضة، والهدوء كان مرعب. الأوضة فاضية... والسرير متسوي. جردل المية وقع من إيدي وغرق الأرض. الموقف كان بيتكرر بحذافيره، ونفس الكابوس بيتعاد. على الكومودينو، كان فيه كباية مية، وتحتها ورقة متطبقه. إيدي كانت بترتعش وركبي بتخبط في بعضها وأنا بمد إيدي للورقة. كنت متأكد ومستعد أقرأ إنها هربت هي كمان زي أمها... كنت بدعي متكونش عملت اللي امها عملته.
بس لما فتحت الورقة وقريت المكتوب فيها...ماكنش خبر هروبها... اللي عملته كان أفظع بمراحل من الهروب، حاجة تتخطى عقلي وتفكيري. والسر اللي سابتهولي مكتوب بخط إيدها في أخر السطور دمرني ،رجليا شالتني بالعافية قبل ما أقع على ركبي في نص الأوضة، الصدمة شلت لساني،واتمنيت لو كانت هربت فعلاً ولا إني أقرأ الكلام ده!!!! إيدي كانت بترتعش والورقة بتتنفض في إيدي.
كانت كاتباه بخط صغير ومكسور، خط واحدة شبعت بكاء واستسلام بابا.. أنا عارفة إنك بتكرهني، وعارفة إن وشي بيفكرك بأمي اللي سابتك وراحت. أنا مش زعلانة منك، ولا عمري زعلت.. بس أنا خلاص تعبت، وحسيت إني عبء كبير أوي عليك. أنا هربت يا بابا، هربت بس مش عشان أعيش حياتي زي ما أنت فاكر.. أنا رايحة أدور على أي مكان ياويني بعيد عن عينك اللي مش قادرة تطيقني.
وبما إنك طول عمرك بتقولي إني شبه أمي في كل حاجة.. فالأوضة دي هي الأوضة اللي أمي كانت بتنام فيها قبل ما تمشي. الأسبوع اللي فات، وأنا بكنس وبنظف ورا الدولاب الخشب القديم، جزمتي وقعت مني ورا.. ولما جيت أطلعها، لقيت الأجندة دي. أمي ماسابتكش عشان خانتك ولا كرهتك يا بابا.. أمي هربت عشان بتحبك أوي.
. اقرأ المذكرات دي، ويمكن وقتها تسامحني على وشي اللي شبهها. الورقة وقعت من إيدي، وعيني اتجهت لزاوية الأوضة.. ورا الدولاب التقيل. مشيت زي المجاذيب، وزقيت الدولاب بكل قوتي لحد ما صرخ خشبه وصوت احتكاكه بالأرض رن في الأوضة. نزلت على ركبي في التراب، ولقيت أجندة قديمة جلدها متآكل، مليانة تراب وأوراقها مصفارة.
فتحتها وأنا نفسي رايح، وخط سهيلة.. خط مراتي وحبيبة عمري ظهر قدام عيني.. خطها اللي حافظه زي اسمي، بس كان مكسور ومهزوز أوي في الأيام الأخيرة. أول صفحة مكتوب فيها بتاريخ قبل هروبها بسنة عزيز حبيبي.. اليوم ده هو بداية النهاية. بقالي فترة بنسى المكان اللي حطيت فيه المفاتيح، وبنسى الأسماء.. النهاردة توهت في الشارع اللي جنب بيتنا ورجعت البيت بعد أربع ساعات وأنا بكي.
بكره رايحة للدكتور من وراك. قلبت الصفحة وأنا قلبي بيتفحم، التاريخ اللي بعده الدكتور أكدلي الشك.. زهايمر مبكر يا عزيز. المرض بياكل في عقلي بسرعة مرعبة. الدكتور قالها لي بصراحة يا سهيلة.. الشهور اللي جاية هتبدأي تنسي جوزك وبنتك، وبعدها ممكن تنتابك نوبات غضب وتبقى خطر على اللي حواليكي.. المرض مش هيرحمك. قعدت على الرصيف بره العيادة وأنا بعيط وبفكر فيك وفي جنة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.