. دلني فاعل خير على دور رعاية قديمة في أطراف الجيزة. دخلت الدور وركبي مش شايلاني.. قلبي كان بينبض بصوت عالي وهستيري. الممرضة مشيت قدامي وفتحت باب أوضة هادية، فيها شباك يدخله شعاع شمس أصفر.. وكانت قاعدة على كرسي هزاز، ست خصلات شعرها أبيض زي التلج، ملامحها دبلانة، بس هي.. هي سهيلة! جريت عليها ونزلت على ركبي تحت رجليها، مسكت إيديها اللي كان فيها ترعشة، وبستهم وأنا بعيط وبشهق زي الطفل سهيلة!
سهيلة حبيبتي.. أنا عزيز! سامحيني يا سهيلة.. أنا جيتلك أهو، أنا فهمت كل حاجة.. والله العظيم فهمت! سامحيني يا عمري، أنا ضيعت أمانتك.. ضيعت جنة بسبب غبائي وكبريائي! سهيلة رد عليا أرجوكي بصيلي! سهيلة بصلتي بأسف.. عينيها كانت فاضية تمامًا، مفيهاش أي نظرة لفتت أو انتباه. بصلت لإيدي اللي ماسكة إيدها، وراحت ساحبة إيدها بالراحة، وابتسمت ابتسامة هادية لكنها ميتة.
. وقالت بنبرة طفولية وتايهة أنت مين يا أستاذ؟ أنت جاي تزور حد هنا الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. مسكت وشها بإيديا وأنا بصرخ والدموع مغرقة وشي أنا عزيز يا سهيلة! أنا عزيز جوزك وحبيبك! افتكريني أرجوكي.. بصي في عيني كويس! سهيلة هزت رأسها بالرفض، وبدأت تتفزع مني وتبعد جسمها ورا، وقالت وهي بتنادي على الممرضة بصوت مرعوب يا أبلة.
. يا أبلة تعالي شوفي الراجل ده! أنا معرفوش.. هو عايز مني إيه؟ خليه يمشي.. خليه يمشي من هنا! جت الممرضة بسرعة ومسكتني من كتفي وهي بتقولي بأسف يا أستاذ اهدى لو سمحت.. الحالة متأخرة أوي من سنين، هي مش فاكرة أي حد، ولا فاكرة اسمها حتى.. ياريت تخرج بره عشان متتعبهاش. خرجت لبره الأوضة.
. وأنا مجرور من أملي وحياتي. وقفت في راهرو الدور، ضهري للمبنى، وعيني للسما.. مراتي قدامي بس مش شايفاني ولا فاكراني.. وبنتي ضاعت في زحمة الدنيا بسبب قسوتي وكرهي للوش اللي كان مفروض أصونه بعيني. عايش النهاردة بعقاب أصعب من الموت.. لا لقيت بنتي وأخدت مغفرتها، ولا مراتي عرفتني وسامحتني.
بقيت بقضي الباقي من عمري قاعد تحت رجلين سهيلة في دار الرعاية، أديم أكلها وأمسح دموعها وهي بتتفرج عليا كإني شخص غريب بيعطف عليها.. وفي كل ليلة لما أرجع بيتي الفاضي، بمسك جيل الأجندة وجزمة جنة المقطوعة، وأبكي دم على الذنب اللي مفيش أي مغفرة في الدنيا تقدر تمحيه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.