تفت قبل عامين. عادت من بين الأمو. ات. كانت حية لكنها صامتة كأنها نسيت كيف تستخدم صوتها. وفي الرابعة صباحا كانت سيارة الإسعاف تشق الطريق نحو المركز الطبي الإقليمي في هاريسون وصفاراتها تعوي بينما كانت حالة المړيضة حرجة للغاية. وأثناء الطريق حاول المسعفون تثبيت حرارتها وإعطاءها سوائل وريدية إذ كانت أوردة ذراعيها متورمة بسبب الجفاف. حاول أحد المسعفين التحدث معها لتقييم حالتها العصبية ميا إذا كنت تسمعينني حاولي قول اسمك أو أومئي برأسك.
نظرت إليه بعينين صافيتين مذعورتين وقد فهمته. توترت عضلات عنقها وانتفخت الأوردة وارتفع صدرها محاولة التنفس لكن عندما حاولت فتح فمها حدث أمر غير طبيعي لم تنفتح شفتاها وتصلبت فكها السفلى بينما ظل الفم مغلقا كأن قوة خفية أو عائقا جسديا يمنعه من الداخل. خرج من أنفها مرة أخرى الصفير المقلق نفسه. عند الساعة الرابعة وخمس وثلاثين دقيقة فجرا كانت غرفة الطوارئ في المركز الطبي الإقليمي مكتظة.
أعلن الفريق الطبي حالة طوارئ قصوى فقد كانت ميا تعاني انخفاضا شديدا في الحرارة إذ لم تتجاوز حرارة جسدها خمسا وثلاثين درجة وكان مستوى الجفاف خطېرا إلى حد أن جلدها فقد مرونته وبدا كرق جاف. حاولت الممرضات عبثا العثور على أوردة في ذراعيها لإدخال المحاليل فالأوعية كانت منقبضة لا تسمح بمرور الإبرة واضطر الجراح المناوب إلى تركيب قسطرة وريدية مركزية عبر الشريان تحت الترقوة.
امتلأت وحدة العناية المركزة برائحة الكحول واليود والرطوبة العفنة المنبعثة من ملابسها وشعرها رغم محاولات تنظيفها. كانت أجهزة المراقبة الحيوية تصدر إنذارات متقطعة مسجلة بطءا في ضربات القلب. كانت ميا واعية عيناها الواسعتان المحمرتان تتنقلان في الغرفة تتابعان كل حركة للأطباء لكن جسدها بقي ساكنا كأنه مشلۏل بالخۏف. ظهر أخطر التحديات بعد عشر دقائق حين دخل طبيب التخدير المناوب الدكتور هنري فوستر لتقييم مجرى التنفس لديها إذ كان صفير تنفسها يدل على انسداد خطېر.
انحنى الطبيب نحو وجهها وأشعل مصباحه وقال بهدوء آنسة أحتاج إلى فحص حلقك من فضلك افتحي فمك قدر استطاعتك. كان رد فعلها فوريا ومخيفا فقد توتر جسدها كله وانتفخت عضلات عنقها كحبال مشدودة وخرج من أنفها صفير حاد لكن فكها لم يتحرك ولو مليمترا واحدا. افترض الفريق في البداية أسوأ الاحتمالات كزاز أو تشنج شديد في عضلات المضغ وهي حالة قد تسبب فشلا تنفسيا كاملا.
التقط الطبيب فوستر أداة معدنية وحاول فتح الشفتين ميكانيكيا لإدخال الأنبوب متوقعا مقاومة عضلية فقط لكن ما لمسه المعدن جعله يتوقف فجأة ويتراجع خطوة. وجاء في التقرير الطبي الأولي الذي أرفق لاحقا كدليل في القضية الجنائية وصف جاف لكنه مرعب أثناء محاولة فتح التجويف الفموي بالأداة لوحظ اندماج مرضي للأنسجة الرخوة فقد اندمجت الأغشية المخاطية للخدين واللثة بندوب عميقة مكونة كتلة نسيجية واحدة كما أن زوايا الفم مشدودة بندوب ليفية سميكة تجعل النطق مستحيلا.
ألغى الطبيب محاولة التنبيب فورا وأمر بنقلها إلى جهاز التصوير المقطعي لفهم ما يحدث داخل جمجمتها. وبعد عشرين دقيقة ظهرت على الشاشات صورة تشرح طبيعة صمتها أكثر من أي كلمات لم يكن مرضا بل تعذيبا منظما. أظهرت الصور أن فم ميا ظل مغلقا قسرا لأشهر طويلة بواسطة جهاز خاص ربما تصميم معدل لأداة طبية أو كمامة معدنية معكوسة العمل كانت تضغط الفكين بقوة هائلة وتثبت اللسان إلى الحنك الأعلى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.