فضلت ألف بين دور الأيتام، وأسأل، وأدفع، وأدور عليك أكتر من عشرين سنة… وكل مرة كنت أوصل لطرف خيط، كان يضيع مني من جديد. كانت كل كلمة بتنزل على قلبي كأنها عمر كامل من الوجع. ثم جاءت الجملة التي انتظرتها طوال حياتي. لما شفتك في دار الرعاية، ما جريتش أقولك الحقيقة وقولت لازم اتأكد الاول وكمان لأني كنت عايزة أعرف يوسف الإنسان… مش يوسف الوريث.
كنت عايزة أشوف الراجل اللي رباه أحمد، قبل ما يعرف إن عنده ست كبيرة ممكن تسيبله مال. ولو كنت طماع كنت هتظهر على حقيقتك لوحدك. ثم أكمل المحامي الصفحة الأخيرة. أما ليه طلبت منك الجواز… فالإجابة إن محمود كان مستني مـ,ـوتي من سنين. وكان أول ما أمـ,ـوت هيبدأ يطعن في كل تصرف عملته، ويحاول يوقف تنفيذ وصيتي، ويجمّد إدارة دار الرعاية، لحد ما يبيعها ويقسم تمنها.
وأنا ماكنتش خايفة على الفلوس… كنت خايفة على الناس اللي عايشين فيها. علشان كده، خلال الشهر اللي عشته بعد جوازنا، بعت جزءًا من ممتلكاتي بإرادتي الكاملة، وسددت ديون الدار كلها، وأنشأت صندوقًا ماليًا يكفي تشغيلها سنوات طويلة، وكتبت لك هبات موثقة تؤمّن مستقبلك، بعيدًا عن أي ميراث يمكن حد يطعن عليه.
أما الدار نفسها… ففضلت وقفًا خيريًا كما أرادها زوجي، وعينتك مديرًا وأمينًا عليها، لأني عرفت خلال الشهر اللي عشتهم معاك إنك الراجل الوحيد اللي هيحافظ عليها، وهيحافظ على كرامة كل عجوز لجأ لها. أما عقد جوازنا… فما طلبتوش علشان الفلوس، ولا علشان تورثني… طلبته علشان لما أغمض عيني للمرة الأخيرة، أبقى مطمنة إن اللي هيستلم مفاتيح الرسالة… هو إنسان اعتبرته ابني قبل ما يبقى جوزي.
أنهى المحامي الرسالة، ثم وضع أمام محمود العقود الرسمية، وإيصالات سداد الديون، وعقود الهبات، وقرار تعيين يوسف مديرًا للدار. نظر محمود في الأوراق واحدًا تلو الآخر، ثم أدرك أنه لم يعد يملك شيئًا يستطيع الطـ,ـعن عليه. خرج من المكتب صامتًا… بينما بقيت أنا أحدق في صورة أحمد، وأردد لأول مرة بصوت خرج من أعماق قلبي سامحني يا أبي… اتأخرت عليك عمرًا كاملًا.
وبعد عام، وأنا أجلس لأول مرة على المكتب الذي كانت تجلس خلفه الحاجة زينب، فتحت درجًا صغيرًا لم يكن أحد يعرف بوجوده، فوجدت ورقة مطوية كتبت في آخر أيامها. فتحتها… وكان مكتوبًا فيها لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الدار لسه عامرة بأهلها… ويبقى أنا فعلًا عرفت أختار الراجل اللي أحمد كان هيبقى فخور بيه.
في اللحظة دي، سمعت صوت أحد كبار السن يناديني من آخر الممر يا ابني… ممكن تساعدني؟ ابتسمت رغم دموعي، وقمت أجري عليه، وأنا برد لأول مرة في حياتي من قلبي كله أيوه يا حاج… حاضر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.