” لكن أحد الرجال المسنين من العائلة اقترب ببطء، وهو يحدق في الطفلة الصغيرة. ثم تغير وجهه فجأة. “انتظروا.” التفت الجميع نحوه. كان الدكتور سالم، طبيبًا متخصصًا في الأمراض الوراثية، وأحد أقارب العائلة البعيدين. اقترب أكثر من الطفلة، ثم قال بصوت منخفض: “هل تعاني من نوبات إرهاق حادة وتغيرات متكررة في الدم؟” نظرت دانة إليه بحذر.
“نعم.” ساد الصمت. أما وجه الطبيب، فقد ازداد شحوبًا. “هذا المرض ظهر سابقًا لدى والد راشد وشقيقه الأصغر.” بدأ التوتر ينتشر بصورة كبيرة داخل القاعة. لكن الطبيب رفع يده سريعًا. “ليس دليلًا قاطعًا، لكنه مؤشر قوي.” ثم التفت نحو راشد وقال: “يجب إجراء تحليل DNA فورًا.” شعرت العنود بالغثيان. كل شيء حولها بدأ ينهار.
الزفاف. العائلة. الصورة المثالية التي بُنيت أمامها لسنوات. نظرت إلى الشيخة حصة، فوجدتها تتجنب النظر إليها لأول مرة. وهنا فهمت الحقيقة كاملة. لقد كانوا يعلمون. أو على الأقل كانوا يخفون شيئًا. رفعت العنود طرف فستانها الأبيض وغادرت القاعة وسط دهشة الحضور، بينما ركضت والدتها خلفها بسرعة. أما دانة، فبقيت واقفة مكانها. هادئة بصورة أزعجت الجميع. اقترب منها راشد ببطء. “أين كنتِ طوال هذه السنوات؟
” ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح. “في المكان الذي دفعتني إليه عائلتك.” اشتعل غضب الشيخة حصة فورًا. “أنتِ من رحلتِ!” التفتت دانة نحوها مباشرة. “بعدما هددتِ بأخذ أطفالي مني؟ بعدما جعلتِ والدي يواجه أزمة بسبب الديون؟ بعدما منعتِ أي رسالة من الوصول إليه؟” ساد الصمت. أما راشد، فبدأ يشعر بأن الأرض تميد تحته. نظر إلى والدته ببطء. “ما الذي تقوله؟” لكن حصة لم تجب. وذلك كان أسوأ من أي إجابة.
خلال الأيام التالية، تحولت القضية إلى حديث الإعلام كله. لم تكن نتائج التحليل قد ظهرت بعد، لكن التشابه الواضح بين الأطفال وراشد، إضافة إلى الحديث عن المرض الوراثي النادر، كان كافيًا لتحويل الأمر إلى مفاجأة كبيرة هزت المجتمع. أما الشيخة حصة، فحاولت استخدام نفوذها لمنع التسريبات. لكن الوقت كان قد تأخر. وبعد خمسة أيام ظهرت النتائج الرسمية.
الأطفال الثلاثة أبناء راشد آل نهيان قانونيًا وبيولوجيًا. انتشرت الأخبار في وسائل الإعلام بصورة واسعة. خصوصًا بعدما كشفت دانة نسخة عقد زواجها الرسمي، الذي احتفظت به طوال السنوات الماضية خوفًا من إنكار العائلة لعلاقتها براشد. وفي اليوم نفسه، أعلنت عائلة العنود فسخ الارتباط رسميًا، وإنهاء جميع الشراكات المرتبطة بعائلة آل نهيان. أما داخل القصر، فكانت المواجهة الحقيقية قد بدأت.
دخل راشد مكتب والدته بانفعال للمرة الأولى في حياته. “أخبريني أن هذا غير صحيح.” جلست الشيخة حصة خلف مكتبها بصمت متوتر. “كنت أحميك.” ضحك بمرارة. “حميتِني؟ أم أضعتِ سنوات من حياتي؟” حاولت الاقتراب منه، لكنه ابتعد فورًا. “أخبرتِني أنها خانتني.” “لأنها لم تكن مناسبة لنا!” خرجت كلماتها أخيرًا. ثم تابعت بصوت مرتجف: “كنت ستدمر اسم العائلة من أجل فتاة لا تملك شيئًا!
” نظر إليها راشد طويلًا. ولأول مرة في حياته لم يرَ فيها والدته. بل امرأة مستعدة لفعل أي شيء كي لا تفقد سيطرتها. في المقابل، كانت دانة تجلس داخل مكتبها الزجاجي المطل على دبي، تراقب الأخبار بصمت. لم تعد تلك المرأة الضعيفة التي غادرت الإمارات قبل سنوات. خلال فترة اختفائها، تنقلت بين لندن وسنغافورة، وعملت داخل صندوق استثماري خليجي ضخم، قبل أن تؤسس شركتها الخاصة لاحقًا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.