شاديه كانت كل يوم وهي ماشية ومخلصة شغلها بتاخد معاها شنطة سودة كبيرة ومقفولة كويس. في الأول قلت يمكن بتسرق حاجة من الفيلا وفي يوم، قررت أفتش الشنطة دي بنفسي. وكانت الصدمة لما فتحتها ولقيتها مليانة عضم فراخ، وعضم لحوم، وبواقي سمك، وكل فضلات الأكل اللي إحنا بنرميها في الژبالة!
استغربت جداً، ولما سألته بفضول، بصت لي بكسوف وقالت إن عندها قطط وكلاب كتير في الشارع بيصعبوا عليها، وبتجمع البواقي دي بدل ما تترمي عشان تأكلهم. وقتهاسمحت لها تاخد الشنطة دي معاها كل يوم. فضلت الحكاية دي مستمرة لمدة طويلة، لحد ما في يوم، وأنا قاعد في مكتبي، سمعت صوت زعيق وعياط عالي جاي من ناحية المطبخ. استغربت وقمت أروح أشوف إيه اللي بيحصل.
وقفت عند المطبخ و لقيت الطباخ پيتخانق مع شاديه پعنف، وبيقولها بصوت عالي انتي بالشنطة الزفت دي اللي بتلمي فيها فضلات طول النهار، قرفتينا! وبتلمي قطط الشوارع علينا اللي واقفين قدام باب المطبخ وعايزين يدخلوا! البنت بصت له بكسوف وحزن شديد وقالت بصوت مكسور خلاص والله.. هبقى أخبيهم كويس في الشنطة عشان مأضايقكش تاني. بس الطباخ شد الشنطة من إيدها وكب محتوياتها كلها في صفيحة الژبالة الكبيرة، وقال ولا تخبيها ولا زفت!
أي بواقي أكل من هنا ورايح مكانها الژبالة دي وبس، ومش هتاخدي معاكي حاجة! الصدمة الحقيقية بقى، واللي خلتني أقف عاجز عن الحركة، هي رد فعلها. من كتر الصدمة والذهول، جريت على صفيحة الژبالة بسرعة مچنونة، وبقت تطلع الأكل من وسط الژبالة وهي پتبكي بصوت بيقطع القلب! بقت تنفض الأكل بايدها وهي بتقول للطباخ بصوت باكي حرام عليك.
.. ليه كده؟! ليه ترمي نعمة ربنا ليه تضيع تعبي؟ حرام والله! الطباخ وقف مكانه ببرود ومردش عليها بحرف. وهي، ودموعها بتنزل بغزارة على خدودها، نضفت الأكل اللي قدرت تلمه بحزن، وحطته في الشنطة، ومشت وهي مڼهارة من العياط. في اللحظة دي، أنا مدخلتش ولا نطقت بحرف، استنيت ثواني وطلعت فوراً وراها بخطوات سريعة وأنا مېت من الفضول وعايز أعرف ليه تاخد أكل بالشكل ده من الژبالة وتبكي عشانه .
..الاكل ده مستحيل يكون لبشر لانه غير ادمي وبواقي عضم وقرف! ولو كانت للقطط والكلاب زي ما بتقول، مكنش ده هيخليها تطلع من الژبالة وتبكي بالطريقة دي أكيد ورا الحكاية دي سر نزلت وراها بسرعة، وبقيت أركب وراها مواصلة ورا مواصلة، وأنا مخبي وشي بجاكت البالطو بتاعي عشان ما تحسش بوجودي. فضلت ماشي وراها لحد ما بعدنا عن شوارع وسط البلد ووصلنا لمنطقة شعبية قديمة ومتهالكة جداً.
وقفت قدام بيت قديم ومتهالك، ودخلت من بابه المخلع. وقفت بره واخدت نفسي بصعوبة، وفجأة سمعت من البيت صدمني صدمة عمري ، حسيت رجلي اتجمدت في الأرض تماماً. قربت بخطوات بطيئة من شباك البيت المكسور.. كنت هقع من طولي من اللي شوفته مكنتش مصدق أبداً ولا قادر أستوعب اللي عيني شيفاه جوه!!!!!!! ربطت قلبي بين ضلوعي وقربت ببطء شديد من الشباك المكسور... بصيت جوه الأوضة الضلمة اللي ريحتها كلها فقر وعفونة، بس فجأة...
عيني زغللت وقدمي اتجمدت في الأرض كأن سحر تلبسني! منظر مستحيل عقلي يتخيله، ولا عين بني آدم ممكن تستوعبه بسهولة. أربع أطفال صغار، قد بعض بالمللي، قاعدين على حصيره قديمة ومهترية، بيلعبوا بحتة خشبة مقطوعة، عيونهم واسعة ووشوشهم باهتة من الجوع والبرد. توأم! لأ، دول مش توأم ثنائي وبس... دول أربعة مع بعض! أربع أطفال في عمر واحد، شكلهم يقطع القلب، بيلبسوا هدوم مقطعة وواسعة عليهم، وجسمهم دبلان من قلة اللبن والأكل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.