مرت بذهني صور كثيرة كنت أجدها تأكل بسرعة ثم تذهب بسرعة، وكنت أضحك وأقول إنها مشغولة، وطلعت كانت تأكل خوفاً أن تمنعها من الأكل، كما كانت تمنعها من الراحة، وكنت أراها دائماً ترتدي ملابس قديمة، وكنت أقول إنها مش عايزة تكلفنا،
وطلعت كانت ممنوعة من طلب أي ملابس جديدة، أو أي حاجة تريدها، وكنت أجدها دائماً تجلس في الزاوية، بعيدة عنا، وكنت أقول إنها تحب الهدوء، وطلعت كانت تشعر أنها غريبة في البيت، وأنها مجرد خادمة، لا ابنة ولا قريبة.
بكيت بصمت، ولم أستطع أن أمنع دموعي، فأنا كنت الأب الذي لم يحمِ ابنتة، والعم الذي لم يصدق ابنة أخيه، والزوج الذي أعمته الثقة العمياء حتى خسر كل شيء.
بعد أن انتهى المحامي من الكلام، قال لي الآن، ما هي الخطوات التي تريد أن نتخذها؟ نحن نملك كل الأدلة، التسجيل، الشهادات، تقارير الخبراء، ويمكننا رفع قضية تحريف، وأخذ أموال، واعتــ,,ـــــدا على حقوق اليتيم، والعقاب في هذه الحالات يكون صارماً جداً، خاصة في قانون بلدنا، الذي يحمي حقوق الأيتام بكل قوة.
فكرت للحظة، ثم قلت أريد أولاً أن أرجع كل ما أخذته، وأريد أن أحصل على تعويض عن كل ما سببته لسلمى من ألم ومعاناة، ثم أريد أن أفصل في الأمر معها، فالقرار النهائي لها، هي صاحبة الحق، وهي التي تقرر ما تريد فعله بها.ثم قلت للمحامي وأريد أن أطلب منك طلباً آخر، أريد أن أجهز كل الأوراق اللازمة، لأجعل سلمى ابنتي رسمياً، وأكفلها بكل ما للكلمة من معنى، وأكون المسؤول عنها أمام الله والناس، وأعوضها كل ما فاتها من حنان ورعاية.
ابتسم المحامي، وقال هذا أقل ما يمكن فعله، وأخوك رحمه الله لو كان حياً لكان أسعد الناس بهذا القرار، وسأقوم بكل ما طلبته فوراً، ولن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً.
الجزء الثاني المواجهة والانفصال
عدت إلى البيت في المساء، ووجدت زوجتي جالسة في الصالة، وحولها حقائبها، وكأنها كانت تنتظر عودتي لتتكلم، أو ربما كانت تجهز نفسها للرحيل قبل أن أتخذ أي قرار. عندما رأتني، وقفت بسرعة، وقالت سمعت كل شيء؟ سمعت كل ما كان مخبي؟
قلت بصوت بارد خالٍ من أي مشاعر سمعت كل شيء، وعرفت كل الحقائق، ولا يوجد شيء يخفى عني الآن.
أنا آسفة يا محمد آسفة جداً لقد خسرت عقلي، وكنت خائفة من المستقبل، وكنت أظن أن المال هو كل شيء، ولم أتوقع أن الأمر سوف يصل إلى هذا الحد، ولم أتوقع أن أخوك كان يعرف كل شيء، وأن هناك تسجيل وأدلة أرجوك سامحني، ونبدأ حياة جديدة، وكل شيء سوف يكون على ما يرام، سوف أعتني بسلمى من اليوم، وسوف أكون لها أم، وسوف أعوضها كل ما فاتها أرجوك لا تتركني.
نظرت إليها طويلاً، تذكرت أيامنا الأولى، كيف كنا نحب بعضنا، وكيف كنا نحلم ببيت مليء بالأطفال، وكيف كانت تقول لي إنها تحب الخير للجميع، لكن كل هذه الذكريات بدأت تختفي وتتحول إلى سراب، أمام ما فعلته، أمام الظلــ,,ـــــم الذي وقع على ابنة أخي، أمام الخداع الذي استمر سنتين كاملتين.
قلت لها بهدوء تام لا يمكنني أن أسامحك، ولا يمكنني أن أنسى ما فعلته، أنت لم تجحفيني أنا فقط، بل جحفت أمانة الله التي في عنقي، جحفت يتيمة لا حول لها ولا قوة، أنت كنتِ مثل الأم بالنسبة لها، فكنتِ مثل السجان، كنتِ تملكين قلباً رحماً بكل شيء إلا بها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.