الضابط بصّ لها بتركيز، وسألها: يعني حضرتك متأكدة إنه مسافر؟. ردّت من غير ما تتردد: طبعًا. هو قال لي إنه عنده شغل، وهيخلص ويرجع. مش فاهمة ليه بنتي اتصلت بيكم أصلًا. وقبل ما الضابط يرد، سمعوا صوت خطوات صغيرة جاية من الممر. ظهرت طفلة في حوالي السابعة من عمرها، لابسة فستانًا منقوشًا بالورود، وشعرها مبعثر، وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافت الضباط، جريت ناحيتهم وهي بتقول: إنتوا جيتوا! أنا كنت عارفة إنكم هتصدقوني!.
مسكت إيد واحد منهم، وشدّته ناحية الصالة وهي تكرر: تعالى، هوريكوا مكان بابا بالظبط!. الأم حاولت توقفها وقالت بعصبية: ليلي! كفاية بقى الكلام الفاضي ده! ارجعي أوضتك حالًا!. لكن البنت تمسكت بإيد الضابط أكتر، وبصت له بخوف: أرجوك، ما تمشيش. بابا هنا، أنا متأكدة. الضابط طلب من الأم إنها تهدى، وبعدها سمح للطفلة إنها تدلّهم على المكان اللي تقصده.
دخلوا الصالة، وكانت فيها كنبة كبيرة، وطاولة خشبية، وسجادة سميكة مفرودة في منتصف الأرض. ليلي وقفت جنب السجادة، وأشارت بإصبعها إلى مكان محدد وقالت: هنا. بابا تحت الخشب ده. الضابطان بصّوا لبعض، وبعدها بدأوا يفحصوا الأرضية. رفعوا السجادة بحذر، وظهرت ألواح خشبية لونها مختلف قليلًا عن بقية الأرض. واحد من الضباط انحنى ناحية الأرض، ومرّر إيده فوق الخشب، ثم رفع عينيه للأم وسألها: هو حصلت أي تجديدات في الصالة مؤخرًا؟.
اتغيرت ملامح الست للحظة، لكنها ردّت بسرعة: أيوه، كان فيه شوية تصليحات. الأرضية القديمة كانت بايظة، وجوزي هو اللي غيّر الألواح بنفسه. سألها الضابط: وإمتى حصل الكلام ده؟. قالت: من كام يوم. الضابط رجع يبص للأرضية، ولاحظ إن بعض المسامير شكلها جديد، وإن الفواصل بين الألواح فيها بقايا مادة بناء لسه ما نشفتش بالكامل. كل حاجة كانت بتقول إن الجزء ده من الأرض اتغيّر مؤخرًا جدًا.
أما ليلي، فكانت واقفة في ركن الصالة، بتبص للمكان من غير ما تتحرك، وكأنها مستنية اللحظة اللي حد فيها أخيرًا هيصدقها. لكن الأم بدأت تفقد هدوءها، وقالت بصوت أعلى: هو إنتوا ناويين تخلعوا أرضية بيتي عشان بنت صغيرة شافت حلم؟! الكلام ده مش معقول!. الضابط رفع إيده بهدوء وقال: يا مدام، إحنا لسه بنتأكد من البلاغ. لو مفيش حاجة، مش هيكون فيه داعي للقلق. لكنها ردّت بعصبية أكبر: أنا مش هسمح لكم تبوظوا بيتي!
جوزي مسافر، وبنتي بتتخيل، والموضوع انتهى!. الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها خلت الشك يزيد عند الضباط. طلبوا منها تقف بعيد عن مكان الفحص، وبدأوا يسألوا عن زوجها ومكان عمله وآخر مرة حد شافه فيها. في البداية، حاولت تكرر نفس الكلام إنه مسافر في مهمة عمل، وإنه هيرجع قريب. لكن لما طلبوا منها اسم المدينة اللي راحها، بدأت تتردد، وقالت اسم مدينة، وبعدها رجعت وعدّلت كلامها، وادّعت إنها مش فاكرة تفاصيل الرحلة.
الضابط الأكبر سنًا بصّ لزميله، وأدرك إن الموضوع محتاج تحقيق أوسع. طلبوا التحقق من بيانات الزوج، واتصلوا بالجهة المختصة لمعرفة إذا كان قد سافر بالفعل أو ظهر في مكان عمله خلال الأيام الماضية. وبعد وقت قصير، بدأت تظهر معلومات مقلقة؛ زوج الست ما كانش راح الشغل من خمسة أيام، وزمايله ما كانوش يعرفوا عنه أي حاجة، وكمان مفيش حد من عيلته سمع صوته أو اتكلم معاه من وقت اختفائه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.