كان المنزل يشهد أعمال تجديد في ذلك الوقت، وكانت بعض أجزاء أرضية الصالة قد أُزيلت بالفعل، فرأت في ذلك فرصة لإخفاء ما حدث. خلال الليل، حفرت أسفل الجزء المفتوح من الأرضية، وأخفت جسد زوجها في المكان، ثم غطته بالتراب وبقايا مواد البناء، وفي الصباح أعادت تركيب الألواح الخشبية وحاولت أن تجعل الصالة تبدو وكأن أعمال التجديد انتهت بصورة طبيعية، معتقدة أن أحدًا لن يكتشف ما فعلته.
بعد انتهاء الجزء الأول من التحقيق، حاول المحققون فهم كيف عرفت ليلي أن والدها موجود تحت الأرضية. في البداية، كانت الطفلة تكرر أنها رأته في المنام، وأنه أخبرها بأنه يشعر بالبرد وطلب منها أن تبحث عنه. لكن مع مرور الوقت، بدأت تذكر تفاصيل أخرى من الليلة التي اختفى فيها. استدعاها أحد المختصين للتحدث معها في مكان هادئ، بعيدًا عن أجواء التحقيق، وبدأ يسألها أسئلة بسيطة تناسب عمرها: يا ليلي، فاكرة اللي حصل في البيت قبل ما بابا يختفي؟
. جلست الطفلة تفكر وهي تعبث بأصابعها، ثم قالت: أنا كنت في أوضتي، وسمعت ماما وبابا بيتخانقوا. سألها: فاكرة سمعتي إيه؟. ردت: مش فاكرة الكلام كله، بس بابا كان صوته عالي، وماما كانت بتعيط وتزعق. ثم توقفت لحظة، وكأنها تحاول استعادة صورة بعيدة، وأضافت: بعدها سمعت صوت حاجة وقعت، وبعد شوية خرجت من أوضتي. المحقق لم يقاطعها، وترك لها الوقت الكافي حتى تتكلم: كنت عايزة أشوف بابا، لكن ماما شافتني وقالت لي أرجع أنام.
كانت متعصبة أوي، وأنا خفت منها. سألها: وبعدين؟. أجابت: رجعت أوضتي، لكنني ما نمتش على طول. سمعت أصوات من الصالة، زي صوت حاجة بتتحرك وصوت خبط في الأرض. لم تكن ليلي تعرف معنى تلك الأصوات وقتها، ولم تستطع أن تفهم ما الذي كانت أمها تفعله. كانت طفلة صغيرة، نصف نائمة، تحاول أن تستوعب خلافًا بين شخصين تحبهما.
وفي الصباح، عندما خرجت من غرفتها، وجدت أن جزءًا من الأرضية قد تغير شكله، وأن والدها لم يعد موجودًا. سألت أمها عنه، فحصلت على الإجابة نفسها: “بابا سافر شغل، وهيرجع قريب”. صدقت ليلي كلامها في البداية، لكنها لم تشعر بالاطمئنان. كان والدها معتادًا على إخبارها قبل أي سفر، وكان يودعها ويعانقها ويطلب منها أن تعتني بنفسها حتى يعود.
هذه المرة، لم يحدث شيء من ذلك. مرت الأيام، ولم يتصل بها والدها، ولم تسمع صوته، ولم يصلها منه أي خبر. وكانت كلما سألت عنه، تخبرها أمها بأنه مشغول بالعمل، وأنه سيعود في أقرب وقت. لكن قلب الطفلة ظل يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي. وفي إحدى الليالي، رأت والدها في المنام؛ كان واقفًا بجوار الكنبة الموجودة في الصالة، وينظر إليها بحزن، وقال لها في الحلم إنه يشعر بالبرد، ثم أشار إلى الأرضية الخشبية.
استيقظت ليلي وهي تبكي، وظلت تتذكر الحلم طوال اليوم. في البداية، لم تجرؤ على إخبار أمها خوفًا من أن تغضب منها، لكن عندما تكرر الحلم، بدأت تربط بينه وبين اختفاء والدها والتغييرات التي حدثت في الصالة. لم تكن تعرف ما إذا كان ما رأته مجرد حلم، ولم تكن تفهم كيف يمكن أن يكون والدها تحت الأرض فعلًا، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: لقد اختفى دون أن يودعها، وهذا لم يكن يشبهه أبدًا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.