. أبويا نفسه ما كانش يعرف الكلمة دي، ولا عمره شاف المكان ده، لأن أمي كانت دايماً بتقول إن البنت ليها خصوصية حتى وهي طفلة. أمي بصت في عيني بثبات رهيب، وقالتلي بصوت واطي جداً، نبرة أبرد من الثلج، خالية تماماً من أي جنون: “ليلتها يا نسمة.. أنا شوفته بيدبر لمصيبة في الخفاء، ولما واجهته، حاول يخبي ويغير الموضوع بطريقة غريبة تثير الشك.” دموعي نزلت زي المطر..
المكان حولي بدأ يدور، والصدمة طحنت 15 سنة من حياتي في ثانية واحدة. أمي ما كانتش مجنونة.. أمي كانت تحذيراتها ليها أسباب تانية خالص! مسكت إيد أمي بكل قوتي، بقيت أرتعش ومش قادرة أتنفس. أمي سحبت إيدها بالراحة، وطبطبت على كتفي، وابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “اتأخرتي قوي يا نسمة.. 15 سنة وأنتِ فاكرة إن أمك تاه عقلها؟
15 سنة وأنتِ سايبة البيت من غير ما تكتشفي النوايا الحقيقية وراء طردي، ويا عالم يا بنتي خلال السنين دي كلها.. أبوكي كان ناوي على ايه تاني؟” الجملة دي وقعت عليا زي الس/كين. أختي! مايا! مايا اللي كنت بنام جنبها، اللي كبرت تحت عيني، اللي أبويا كان رافض يتجوز عشان يتفرغ لتربيتنا، اللي كان بيصحى في نص الليل يعملها أكل! هل يعقل؟ هل كل الدفا ده كان قناع يخفي وراه طمع أو أسرار تانية خطيرة؟
الدكاترة والممرضين جُم يجروا على صوت صريخي، فتكروا إن أمي هاجمتني. الدكتور جه يزقها بعيد، فصرخت في الدكتور بأعلى صوتي: “سيبها! أوعى تلمسها! هي مفيهاش حاجة!” أمي فضلت واقفة مكانها، نظرتها كانت نظرة شفقة عليا.. وكأنها بتقولي: “أهلاً بيكي في العذاب اللي أنا عايشة فيه من 15 سنة.” خرجت من المستشفى بجسد مشلول وعقل طاير.
الشمس كانت طالعة بس أنا كنت شايفة الدنيا ضلمة. مسكت تليفوني، كنت عايزة أتصل بخطيبي زياد.. بس افتكرت، هقوله ايه؟ هقوله إن الراجل المحترم اللي تقدم لي ورا واجهته أسرار غريبة؟ قفلت التليفون وجريت على البيت. طول الطريق والأسئلة بتاكل في دماغي. ليه مايا مكنتش مرتاحة؟ ليه لما دخلت الأوضة ليلتها لقيتها نايمة بطريقة غريبة؟ وصلت البيت. فتحت الباب بالمفتاح بهدوء شديد.
البيت كان هادي.. هدوء يق/تل. سمعت صوت أبويا طالع من الصالة، كان بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومبتسم بيكلم خطيبي زياد: “يا حبيبي يا زياد.. البيت بيتك، ونسمة دي عينيا الاتنين، ومايا أختها الصغيرة في رقبتك برضه…” الكلمات اللي كانت زمان بتخليني أحس بالأمان، دلوقتي كانت بتخليني مشفق عليها. دخلت الصالة، أول ما أبويا شافني قفل التليفون وابتسم ابتسامة الأب الحنون المعتادة: “نسمة؟
حبيبتي رجعتي؟ مال وشك أصفر كده ليه؟ مش قولتلك بلاش الزيارة دي؟” قاطعته وأنا بمد إيدي اليمين اللي مرسوم عليها بالقلم: “أمي رسمتلي دي.” أبويا بص على إيدي.. اللحظة دي.. الـ 3 ثواني دول، عمري ما هنساهم. ملامح أبويا اتغيرت تماماً. الابتسامة اختفت، وعينيه وسعت بشكل مرعب، وشه اتقلب أصفر. تحول في ثواني للشخص المذعور، بس بسرعة ركب القناع تاني وقال بنبرة استغراب متصنعة: “ايه ده؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.