أمي كانت واقفة في ركن الأوضة، ضامة نفسها للحيطة، وأبويا واقف قباله، ماسك أداة حادة في إيده، والدم نازل من جروحه، وعينيه مليانة غضب وعصبية شديدة. كان بيقرب منها ببطء وبيقول بصوت واطي ومخيف: “15 سنة وأنا سايبك عايشة يا مديحة.. 15 سنة وأنا صابر عليكي.. بس أنتِ أبتي إلا إنك تخربي كل حاجة في الآخر؟
رسمتِ لها الشامة؟ يبقى خلاص.. رحلتك انتهت النهاردة.” أمي ما كانتش بتصرخ.. ما كانتش بتعيط.. كانت بصة له بنظرة ثبات غريبة، نظرة ست استنت اللحظة دي 15 سنة ومستعدة ليها. قالت له بصوت هادي: “أنا مت من 15 سنة يا مكرم.. أنت اللي جاي تتحاسب النهاردة.” زياد جه من ورايا وبكل قوته ض. رب الباب بكتفه.
الض. ربات كانت بتهز الباب. أنا بقيت أصرخ وأض. رب على الزجاج: “افتح! سيبها! الشرطة برة يا مكرم!” أبويا ألتفت للباب، وفي اللحظة اللي التفت فيها، أمي دافعت عن نفسها بكل شجاعة! مسكَت إيده اللي فيها الأداة وحاولت تبعده عنها بكل قوتها لحد ما سقطت الأدوات على الأرض. في نفس اللحظة، زياد قدر يكسر الباب ويدخل الأوضة بسرعة. زياد هجم على أبويا وثبته في الأرض، وأمي كانت واقفة بتلتقط أنفاسها بصعوبة وأنا جريت ح.
ضنتها ووقعت بيها في الأرض وأنا بعيط وبشهق: “ماما! ماما أنتِ كويسة؟” أمي ضمتني بإيديها المرعشة، وبصت لأبويا وهو متثبت في الأرض، وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالتلي ودموعها بتنزل ببطء: “حقنا رجع يا نسمة.. الحقيقة ظهرت.” بعد دقائق، العساكر والظابط دخلوا الأوضة. الكلابشات اتقفلت في إيدين أبويا، ولأول مرة من 15 سنة، اترفع عنه القناع قدام كل الناس. الدكاترة والممرضين كانوا واقفين مصدومين مش مصدقين اللي بيحصل.
الظابط قرب من أمي، وبص لها باحترام وقال: “حمد الله على السلامة يا حاجّة.. القضية اتفتحت رسمياً، وأوراق خروجك هتجهز خلال ساعات بمرسوم من النيابة العامة.” خرجنا من المستشفى.. بس المرة دي وأمي في وسطنا، ماسكة إيدي وإيد زياد، والشمس كانت بتبدأ تغرب وبتملى السماء بلون أحمر دافي. رجعت البيت.. البيت اللي كان مقفول عليه الكابو.
س. مايا كانت مستنيانا، أول ما شافت أمي جريت عليها ووقعت تحت رجليها تبكي وتعتذر. أمي نزلت على الأرض واحتضنتها، وظلوا هم الثلاثة في ح. ضن واحد يبكوا دموع 15 سنة من الظلم والقهر والخوف. القضية أخذت مجراها. الاعترافات والصور والشريط كانوا أدلة قاطعة لا تقبل الشك. أبويا اتحكم عليه بالسجن المشدد والأحكام الصادرة في حقه كانت كفيلة إنها تخليه يقضي باقي عمره ورا القضبان، وصورته المزيفة اتمحت تماماً قدام العيلة والمجتمع.
لكن الجروح.. الجروح اللي اتزرعت في نفوسنا على مدار 15 سنة محتاجة عمر كامل عشان تلتئم. أمي رجعت تنور بيتنا، ومايا بدأت تتعالج نفسياً وتبدأ تتنفس الحرية من جديد، وأنا تعلمت إن الحقيقة مهما استخبى وراها تراب الكذب، بتظهر في يوم من الأيام وترجع الحق لأصحابه. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.