أول ما عينه جت في عيني، حاول يدير وشه، بس أنا قربت منه ووقفت قدامه، وبقيت أبص له بنظرة مفيهاش دموع.. فيها غل وقرف. وقفت وقولتله بصوت عالي وثابت سمعه كل اللي في الممر: “فاكر نفسك ذكي؟ فاكر إنك لما تسرق اسم، وتسرق عمر بنت، وتسرق مستقبل طفل، ربنا هيسيبك؟ أنت عشت جبان وهتموت في السجن محبوس زي الفئران.
. وأنا ابني هربيه وهيبطل يشيل اسمك القذر ده، وهيطلع أنظف وأرجل منك يا مجرم!”. مسعد بنذالة بص في الأرض ومطقش بكلمة، والعسكري شده ومشي بيه لزنزانته.. شوفت ظهره وهو ماشي وحسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. بعد السنين دي كلها، القض..ية حكمت ليا بإثبات النسب، وأدم بقا معاه شهادة ميلاد حقيقية باسم “أدم مسعد”.. مكنش الاسم اللي بتمناه، بس على الأقل ابني بقا ليه وجود، وبقا يقدر يدخل المدرسة زي بقية الأطفال.
أنا اتعلمت الدرس الغالي أوي.. الدرس اللي دفعنا تمنه سبع سنين من عمري.. الحب الأعمى مبيجيبش غير الندم، والثقة المطلقة في شخص ملوش أصل هي أول طريق الهاوية. دلوقتي، وأنا واقفة قدام باب المدرسة وبسلم ملف أدم للموظفة، وهي بتبتسم وتقولي: “ورقك تمام يا مدام”، بصيت للسما وقولت: “الحمد لله.. بردت ناري، وبدأت حياتي من جديد”.
……… عدت السنة الأولى لأدم في المدرسة، وكل يوم كنت باخده في حضني الصبح وأنا بوجّهه لباب المدرسة، كنت بحس إن كل خطوة بيخطيها هي خطوة ليا أنا كمان ناحية الحياة من جديد. اشتغلت، نزلت واجهت الدنيا، مكنش ينفع أفضل كسر نفسي بعد كل اللي حصل. اشتغلت في أتيليه تفصيل وخياطة، وبقيت بقرش الحلال قادرة أكفي نفسي وابني، ومحتاجش لمخلوق.
وفي يوم وأنا راجعة من الشغل، لقيت عم أحمد المحامي بيكلمني، صوته كان فيه نبرة غريبة.. هدوء ممزوج براحة. “إزيك يا منى يا بنتي.. عاملة إيه وأدم عامل إيه؟” ”الحمد لله يا عم أحمد، في فضل ونعمة.. خير، فيه جديد في القض..ية؟” عم أحمد اتنهد وقال: “مسعد خلاص يا منى.. الحكم القديم اتنفذ عليه، وانضافت عليه قضايا التزوير والنصب وانتحال الشخصية.
. أخد حكم مجمع مش هيخرج منه حي. اتقفل كتابه للأبد يا بنتي، وعمرك اللي سرقه، ربنا رجعلك تمنه كرامة وراحة بال”. أول ما قفلت السكة، حسيت بركبي سابت.. قعدت على أقرب كرسي، بس المرة دي مكنش فيه دموع خوف ولا قهر، كانت دموع شكر.. شكر لربنا اللي مبيسيبش حق حد. لكن الدنيا مبتقفش، وأدم بدأ يكبر، ومع كبره بدأت الأسئلة.. الأسئلة اللي كنت مرعوبة منها من يوم ما اتولد.
في يوم، وأنا بقعد معاه أذاكر له، لقا كتاب القراءة مكتوب عليه اسمه بالكامل: “أدم مسعد…”، بصلي بعيونه البريئة اللي شبه عيوني وقال: “ماما.. هو أنا ليه مش بشوف بابا؟ وليه كل صحابي في المدرسة باباهم بييجي ياخدهم وأنا لأ؟ هو بابا فين؟” الكلمة سكنت في صدري زي السك..ينة. بلعت ريقي، وحاولت أجمع كل ثباتي عشان متهزش قدامه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.