وعندما خرج أخوها من المحكمة، وقف للحظات أمام صورتها وقال: “وعدتك إن الحقيقة هتظهر… ووعدي اتنفذ.” أما محمود، فكان قد فقد كل شيء ظن أنه سيحصل عليه. المال الذي كان يحلم به لم يصبح من نصيبه. والبيت الذي كان يحاول الاحتفاظ به أصبح مرتبطًا بالقضية. والأهم… إن الحقيقة التي كان يحاول إخفاءها أصبحت معروفة للجميع.
ومن يومها، بقى الدرس اللي حكاه أهل نهى لكل اللي يعرفوها: اللي يحاول يخفي الحقيقة، ممكن يكتشف في النهاية إن كل خطوة قام بها أصبحت دليلًا ضده. بعد مرور شهر على بداية القضية، وصل لأخو نهى ظرف مجهول. مفيش عليه اسم المرسل، ولا عنوان. فتح الظرف، فلقى صورة قديمة لنهى وهي واقفة قدام مخزن والدها، وعلى ظهر الصورة جملة واحدة: “لو عايز تعرف ليه محمود عمل كده، دور تحت الأرض.” ياسر اتجمد مكانه.
رجع للشرطة فورًا، وأعطاهم الصورة. المحقق سأل: “المخزن ده اتفتش؟” “أيوه، لكن تفتيش عادي.” قرروا يرجعوا للمكان مرة تانية. وبعد ساعات من البحث، لاحظ أحد أفراد الشرطة إن جزءًا من أرضية المخزن مختلف عن باقي المكان. تم رفع البلاط. وتحت الأرض ظهر صندوق حديدي قديم. فتحه المحقق، فوجد مجموعة عقود وإيصالات. لكن وسط الأوراق كان فيه دفتر حسابات صغير باسم محمود.
الدفتر كشف إن محمود كان يخفي ديونًا أكبر بكثير مما اعترف به. وكان آخر قيد فيه بتاريخ اليوم السابق لوفــ,,ـــــاه نهى. المبلغ المكتوب كان ضخمًا. وتحته جملة: “لازم الفلوس تدخل خلال 48 ساعة.” المحقق قال: “دلوقتي فهمنا استعجاله.” لكن كان فيه ورقة أخيرة داخل الصندوق. كانت رسالة من نهى. كتبت فيها: “لو وصلتوا للورقة دي، يبقى محمود حاول يخفي الحقيقة.
أنا مش عارفة مصيري إيه، لكني متأكدة إن الديون هي السبب الحقيقي وراء كل اللي بيحصل.” وفي آخر السطر كتبت: “أنا مش خايفة على نفسي بس… أنا خايفة إن محمود يورّط ناس تانية في اللي بيعمله.” وهنا قرر المحقق يراجع كل الحسابات والتحويلات المرتبطة بمحمود. وبالفعل، ظهرت أسماء أشخاص آخرين كان محمود يتعامل معهم. لكن التحقيق أثبت إن معظمهم لم يكن يعرف حقيقة مخططه.
أما الشخص الوحيد الذي كان يعرف تفاصيل الخطة، فقد كان سامح. وبمواجهة سامح بالأدلة الجديدة، اعترف بكل ما يعرفه. وبعد اكتمال التحقيق، أصبحت القضية واضحة أمام المحكمة. لم يعد الأمر مجرد قضية مرتبطة بالتأمين، بل سلسلة من التزوير والاحتيال ومحاولة إخفاء الأدلة. أما أسرة نهى، فاستلمت متعلقاتها بعد انتهاء الإجراءات. وكان من بينها دفترها الشخصي. فتح ياسر الصفحة الأخيرة. وجد جملة كتبتها نهى قبل رحيلها: “لو حصل لي حاجة، متخلوش الخوف يمنعكم من معرفة الحقيقة.
” قفل ياسر الدفتر، واحتفظ به. وبعد سنوات، ظل أهل نهى يحكون قصتها. مش باعتبارها قصة عن قضية فقط… لكن باعتبارها حكاية ست تركت وراءها أدلة صغيرة، كل دليل منها قاد إلى الآخر، لحد ما الحقيقة ظهرت كاملة. أما محمود، فقد خسر المال والبيت والحرية التي كان يعتقد أنه سيحصل عليها. وفي النهاية، لم تستطع الخرسانة أن تخفي الحقيقة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.