فتح ياسر الصفحة الأخيرة. وجد جملة كتبتها نهى قبل رحيلها: “لو حصل لي حاجة، متخلوش الخوف يمنعكم من معرفة الحقيقة.” قفل ياسر الدفتر، واحتفظ به. وبعد سنوات، ظل أهل نهى يحكون قصتها. مش باعتبارها قصة عن قضية فقط… لكن باعتبارها حكاية ست تركت وراءها أدلة صغيرة، كل دليل منها قاد إلى الآخر، لحد ما الحقيقة ظهرت كاملة. أما محمود، فقد خسر المال والبيت والحرية التي كان يعتقد أنه سيحصل عليها.
وفي النهاية، لم تستطع الخرسانة أن تخفي الحقيقة. لأن نهى كانت قد تركت وراءها ما يكفي حتى لا تختفي قصتها. النهاية. بعد ما القضية بدأت تهدأ، ياسر رجع بيت أخته نهى علشان يجمع آخر حاجاتها. كان بيحاول يفتح دولاب قديم، لكنه لقى درج صغير مقفول. بحث عن المفتاح لحد ما افتكر إن المفتاح اللي وجدوه في خزانة البنك كان معاه نسخة صغيرة.
فتح الدرج. جواه كان فيه هاتف قديم جدًا، وشاحن، وكراسة. شغّل الهاتف، فظهر تسجيل لم يُفتح من قبل. كان صوت نهى واضحًا: “لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى محمود اتكشف… لكن في حاجة لازم تعرفها.” سكتت لحظات، ثم قالت: “محمود ماكانش عارف إني اكتشفت الحقيقة كلها.” ياسر قرب من الهاتف. نهى كملت: “قبل وفاتي بأسبوع، اكتشفت إن محمود مش بس عليه ديون. هو كان بيستخدم اسمي في معاملات من غير علمي.
” ثم ذكرت أسماء مستندات وأرقام ملفات. ياسر نقل التسجيل للشرطة. المحقق بدأ يراجع الملفات القديمة، واكتشف أن محمود كان قد استخدم بعض الأوراق غير الصحيحة لإثبات ملكية أشياء لا يملكها. لكن نهى كانت قد أرسلت نسخًا من المستندات إلى أكثر من جهة قبل وفاتها. ولهذا، لم يستطع محمود التصرف فيها بعد رحيلها. وفي نهاية التسجيل قالت نهى: “أنا مش عايزة حد ينتقم لي. أنا بس عايزة كل واحد ياخد حقه بالقانون.
” كانت دي آخر كلماتها. ياسر قعد ساكتًا، وعينيه مليانة دموع. وبعد أيام، أُضيفت المستندات الجديدة إلى ملف القضية. المحقق قال: “نهى كانت بتفكر في كل الاحتمالات.” ثم نظر إلى ياسر: “هي ماحمتش نفسها بس… دي حمت حقوق ناس تانية كمان.” وبعد انتهاء كل الإجراءات، تم حفظ جميع أوراق نهى في ملف رسمي، وتم رد الممتلكات لأصحابها.
أما محمود، فلم يعد لديه شيء يهرب إليه. وفي المحكمة، وقف أمام القاضي بينما تُعرض الأدلة واحدة وراء الأخرى. لم يحاول هذه المرة الإنكار. كان عارف إن كل طريق حاول يخفي به الحقيقة انتهى بدليل جديد ضده. وعندما انتهت القضية، خرج ياسر من المحكمة وهو يحمل كراسة نهى. فتح أول صفحة، فوجد جملة كتبتها بخط يدها: “الحقيقة ممكن تتأخر، لكن طول ما فيه حد بيدور عليها، مستحيل تختفي.” قفل ياسر الكراسة، واحتفظ بها.
ومن يومها، بقى بيت نهى خاليًا من الخوف. أما المكان الذي حاول محمود يخفي عنده ما فعله، فلم يعد رمزًا للقضية بالنسبة لعائلتها… بل صار شاهدًا على أن السر مهما اتخفى، في النهاية بيلاقي طريقه للنور. تمت. بعد مرور ستة أشهر على الحكم في قضية محمود، كان ياسر فاكر إن كل شيء انتهى. لكن في صباح يوم عادي، وصله اتصال من رقم مجهول. “أستاذ ياسر؟” “أيوه.” “أنا محتاج أقابلك بخصوص أختك نهى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.