ماكانش فيه أي دليل على سر خطير يخصني أنا، ولا على أي حاجة من اللي كنت متخيلها. لكن كان فيه اعتراف واضح إن أبويا كان شايل ذنب إنه قطع علاقته بشخص قريب منه بسبب سوء تفاهم، وإنه حاول يصلح العلاقة قبل وفاته لكنه ماقدرش. رجعت البيت وأنا حاسس بمشاعر متلخبطة. خالد ومريم كانوا مستنييني. حطيت الصندوق قدامهم، وحكيت لهم كل اللي حصل.
خالد قرأ الجوابات، وبعدها قال: “أبويا كان نفسه يصلح حاجات كتير قبل ما يمـ,ـوت، لكن يمكن الظروف ما ادتلوش الفرصة.” مريم مسكت إيدي وقالت: “يمكن كل اللي حصل خلانا نفهم إن السكوت عن الحاجات اللي بتوجعنا بيكبرها، وإن الكلام الصريح كان ممكن يوفر علينا شهور من الخوف والشك.” بصيت لها وقلت: “عندك حق.
” وفي الليلة دي، قعدنا إحنا التلاتة نتكلم لساعات. اتكلمنا عن أبويا، وعن أمي، وعن الذكريات اللي كل واحد فينا كان شايلها لوحده. خالد حكى لي عن طفولتنا، وعن الأيام اللي كان بيخاف فيها عليا وأنا صغير، وعن وعد قطعه لأبويا إنه يفضل جنبي مهما حصل. ومريم حكت لي عن أمها، وعن حياتها الصعبة، وعن خوفها من إنها تخسر أي حد بتحبه.
ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إننا مش واقفين قصاد بعض، لكن قاعدين في نفس الناحية، بنحاول نفهم الماضي من غير ما نخليه يبوظ حاضرنا. بعد شهور، في يوم عيد ميلاد يوسف، جمعنا العيلة كلها في البيت. أمي كانت غايبة عن الدنيا، وأبويا كمان، لكن صورهم كانت موجودة على الرف، جنب صورة قديمة لخالد وهو طفل، وصورة لنادية مع أمي.
مريم كانت واقفة في المطبخ بتحضر التورتة، وخالد كان بيلعب مع يوسف، وأنا كنت بتفرج عليهم من بعيد. فجأة، مريم خرجت من المطبخ، ووقفت قدام خالد. قالت له بابتسامة هادية: “خالد، أنا عايزة أقولك حاجة.” بص لها وقال: “اتفضلي يا مريم.” قالت: “أنا عمري ما كنت بكره وجودك في بيتنا. بالعكس، كنت بتمنى أقدر أتكلم معاك من أول مرة، وأقولك إن أمي كانت بتحب سيرتك جدًا.
لكن الخوف خلاني أتصرف بطريقة خلتك تشك فيا، وخلت عمر يعيش في حيرة.” خالد نزل عينيه وقال: “وأنا كمان ظلــ,,ـــــمتك لما شكيت إنك بتمثلي. أنا آسف.” مريم ابتسمت وقالت: “خلاص، إحنا كلنا اتعلمنا.” خالد بص لي وقال: “سامحني يا عمر.” قربت منه وحــ,,ـــــضنته. “إنت أخويا الكبير. مهما حصل، أنا مش هسمح لشك يدخل بينا تاني.
” وفي اللحظة دي، يوسف جري علينا وهو شايل قطعة تورتة، وقال ببراءة: “إنتوا بتعيطوا ليه؟ ده عيد ميلادي!” ضحكنا كلنا، ومريم مسحت دموعها، وخالد شال يوسف على كتفه. كانت لحظة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أغلى من أي حاجة. لأنني أخيرًا فهمت إن اللي حصل ماكانش مجرد إغماءات غريبة أو سر قديم، لكنه كان نتيجة خوف اتكتم، وذكريات اتدفــ,,ـــــنت، وكلام اتأجل لحد ما بقى أكبر من قدرتنا على احتماله.
ومن يومها، كل ما خالد كان بييجي عندنا، مريم كانت هي اللي بتفتح له الباب، وتقول له بابتسامة: “اتفضل يا خالد، البيت نور.” وأنا كنت واقف وراها، شايفها وهي بتستقبله من غير خوف، وبحمد ربنا إننا قدرنا نرجع لبعض قبل ما الشك يضيع منا أغلى الناس. لكن قبل ما أقفل الحكاية، في حاجة لازم أقولها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.