وأنا والله ماكنتش عايزة غير إني أفهم حكاية أمي.” خالد قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه. “وأنا غلطت يا عمر. بدل ما أقولك من الأول إن في حاجة غريبة حصلت، خوفت إنك تفهم الموضوع غلط، فبدأت أفسر تصرفات مريم بطريقة ظالمة.” بصيت له بوجع. “إنت اتهمت مراتي إنها بتمثل.” هز راسه وقال: “عارف، وأنا ندمان.” سكتنا كلنا. لكن وسط كل الكلام ده، كان في سؤال لسه معلق في دماغي.
ليه الإغماء كان بيحصل بالشكل المفاجئ ده؟ وليه مريم نفسها ماكنتش قادرة تسيطر عليه؟ قررت إني مش هكتفي بتفسيراتنا. تاني يوم، أخدت مريم وروحنا لدكتور متخصص، وحكيت له كل اللي حصل بالتفصيل. طلب منها تسجل الأعراض اللي بتحس بيها قبل الإغماء، وتعمل فحوصات إضافية، وأكد إننا ماينفعش نفترض إن السبب نفسي أو عصبي من غير تقييم دقيق.
وبعد فترة من المتابعة، بدأنا نفهم إن مريم كانت بتتعرض لنوبات خوف شديدة مع بعض الأعراض الجسدية، وإن الخوف والضغط النفسي ممكن يكونوا جزءًا من المشكلة، لكن الإغماء نفسه محتاج متابعة طبية، خصوصًا لو اتكرر. بدأت مريم تتكلم عن اللي جواها بدل ما تكتمه. وحاولت أنا كمان أبطل أفسر كل حاجة على إنها خداع أو كذب. أما خالد، فكان أكتر واحد حاسس بالذنب.
بعد كام يوم، جه البيت من غير ما يتصل قبلها، لكنه وقف قدام الباب فترة طويلة قبل ما يخبط. لما فتحت له، لقيته شايل علبة صغيرة. قال لي: “أنا جاي أعتذر لمريم، ولو هي مش عايزة تشوفني، همشي من غير ما أزعل.” دخلته، وناديت مريم. خرجت من الأوضة، ولما شافته، وقفت مكانها للحظة. خالد حط العلبة على الترابيزة وقال: “دي حاجة لقيتها عندي من زمان، وافتكرت إنها ممكن تكون تخص والدتك.
” مريم فتحت العلبة بحذر. كان جواها جواب قديم، ومنديل مطرز عليه اسم نادية، وصورة صغيرة لوالدتي وهي قاعدة جنب سيدة شابة. مريم مسكت الصورة، وبدأت تعيط. “دي أمي.” خالد قال: “أمي كانت محتفظة بالصورة دي، وأنا لقيتها وسط حاجاتها بعد وفاتها. ماكنتش أعرف إن الست دي هي والدتك.” فتحت مريم الجواب، وبدأت تقرأ بصوت متقطع.
كان جواب من أمي لنادية، مكتوب فيه إنها ممتنة ليها، وإنها مش هتنسى أبدًا وقفتها جنبها في وقت كانت فيه لوحدها ومحتاجة حد يسمعها. وفي آخر الجواب، كانت أمي كاتبة: “لو الأيام فرقتنا، أتمنى أولادنا يعرفوا إن المحبة الصادقة مش بتضيع، وإن المعروف اللي بنعمله من قلبنا ممكن يفضل عايش بعدنا بسنين.” مريم حطت الجواب على صدـ,,ـــرها، وفضلت تبكي. وأنا، لأول مرة من شهور، حسيت إن في جزء من الصورة بدأ يكتمل.
لكن القصة ما انتهتش عند الجواب. بعد أسبوع، مريم اتصلت بيا وأنا في الشغل، وصوتها كان مختلف. قالت: “عمر، لازم تيجي البيت. لقيت حاجة في صندوق ماما.” رجعت بسرعة، ولقيتها قاعدة على الأرض وسط مجموعة من الصور والجوابات القديمة. قدامها كان فيه ظرف بني صغير، مكتوب عليه اسمها بخط أمها. فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة مطوية بعناية. قالت لي: “أنا ماكنتش شفت الورقة دي قبل كده. كانت مستخبية في جيب داخلي في الصندوق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.