ـ حتى قبل ما أقول؟ ـ عشان عارفة إنك ندمان. ـ أنا فعلاً ندمان. ـ على إيه؟ كارم اتوتر. ـ على كل مرة سكت فيها. علياء هزت رأسها. ـ دي أكتر حاجة وجعتني. ـ عارف. ـ بس خلاص. ـ عايز أسألك سؤال. ـ اسأل. ـ إنتِ فعلاً مش زعلانة مني؟ علياء ابتسمت. ـ زعلانة. كارم اتفاجئ. ـ بس… ـ بس إيه؟ ـ الزعل مش معناه إني عايزة أرجع لك.
الكلمة نزلت عليه بهدوء، لكنها كانت نهائية. هز رأسه. ـ فهمت. علياء قالت: ـ وأنا أتمنى لك الخير. ـ وإنتِ كمان. خرج كارم من البيت وهو ساكت. وأنا وأنا ماشي جنبه، حسيت إن ابني اتغير في يومين. مش لأنه خسر خطوبة. لكن لأنه لأول مرة فهم إن الاختيار مش مجرد كلمة يقولها الإنسان وقت ما يحب. الاختيار مسؤولية. وإن السكوت أحيانًا بيكون قرار، حتى لو صاحبه أقنع نفسه إنه ما عملش حاجة.
بعد شهرين، علياء بدأت ترفض أي حد يتقدم لها. لكن المرة دي مش بسبب وعد. كانت بتقول لأبوها: ـ لما ييجي الشخص المناسب، أنا هقول لك بنفسي. وسالم كان يبتسم. ـ خلاص يا بنتي، المرة دي القرار قرارك. أما كارم ونورهان، ففضلوا فترة طويلة بيتكلموا عن الجواز، لكنهم ما استعجلوش. لأن كارم عرف إن بناء بيت محتاج صراحة من البداية. وأنا؟
أنا كل ما افتكر اللي حصل يوم الخطوبة، أفتكر نظرة علياء وهي بتقول: “الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.” وأفتكر قد إيه الواحد ممكن يكون فاكر إنه بيعمل الصح، وهو في الحقيقة بيقرر حياة ناس تانية بدلهم. بعد سنة تقريبًا، كنت قاعد مع سالم في نفس المكان اللي بدأنا فيه حكاية أولادنا من سنين. بص لي وقال: ـ فاكر وعدنا القديم؟ ضحكت. ـ فاكره. ـ لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمله؟
سكت شوية. وبعدين قلت: ـ كنت هقول لك نخليهم يحبوا بعض الأول. ضحك سالم. ـ وأنا كنت هقول لك نسألهم أصلًا عايزين إيه. ضحكنا إحنا الاتنين. وبعدين سالم بص للشارع وقال: ـ المهم إننا اتعلمنا. قلت: ـ واتأخرنا شوية. ـ بس اتعلمنا. في اللحظة دي، عربية وقفت قدام البيت. نزلت منها علياء.
كانت لابسة هدوم بسيطة، ووشها هادي. وراها شاب في سنها تقريبًا. دخلت وهي بتضحك. بصت لنا وقالت: ـ بابا، عمي محمود… عايزة أعرفكم على حد. أنا وسالم بصينا لبعض. سالم ابتسم وقال: ـ المرة دي، إنتِ اللي اخترتي؟ علياء ابتسمت. ـ أيوه. الشاب سلم علينا بأدب. ـ أنا حسام. سالم مد إيده له. ـ أهلاً يا ابني. وأنا سلمت عليه. ـ نورت. علياء بصت لنا وهي بتضحك.
ـ بس قبل أي حاجة… سالم قال: ـ عارفين. ـ إيه؟ ـ مفيش وعود. ضحكت علياء. ـ بالظبط. ومن يومها، فهمنا كلنا إن العيلة مش بتفضل عيلة عشان كل واحد ينفذ وعد قديم. العيلة بتفضل عيلة لما تحترم اختيارات بعض، وتعرف إمتى تتمسك، وإمتى تسيب، وإمتى تقول “أنا غلطت” من غير ما تدور على مبررات. أما كارم، فبعد فترة اتجوز نورهان، لكن المرة دي من غير مفاجآت ولا تحديات ولا وقوف قدام الناس.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.