في المرة الأولى كان عايز يفرض اختياره قدام الجميع. وفي المرة الثانية، اتعلم إن الاختيار الحقيقي يبدأ لما كل الأطراف تكون موافقة. أما علياء، فكانت بداية جديدة تمامًا. لأول مرة في حياتها، كانت بتبني مستقبلها بنفسها. مش لأنها بنت سالم. ومش لأنها كانت مخطوبة لابن عمها. ومش لأنها كانت جزء من وعد قديم. لكن لأنها علياء. إنسانة ليها قلب وعقل وحق تختار.
والحكاية كلها بدأت بوعد اتقال بحب… وانتهت لما فهمنا إن أجمل الوعود مش إننا نقرر مستقبل أولادنا. أجمل وعد إننا نفضل جنبهم وهم بيقرروا مستقبلهم بنفسهم. علياء وقفت قدام كارم، وسكتت ثواني طويلة لدرجة إن صوت أنفاس الناس بقى مسموع في المكان. بصت له في عينه، وبعدها بصت للبنت اللي واقفة جنبه، وقالت بهدوء غريب: ـ مبروك يا كارم. كارم رمش كذا مرة، كأنه مش مستوعب هي قالت إيه.
ـ إيه؟ علياء ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم إن عينيها كانوا مليانين دموع. ـ بقولك مبروك… هي دي البنت اللي اخترتها؟ نورهان بصت لها بتوتر، وسحبت إيدها بهدوء من إيد كارم، لكن علياء كملت: ـ لو هي البنت اللي قلبك اختارها، يبقى ربنا يوفقكم. أخويا سالم شهق، وقال بصوت مخنوق: ـ علياء!
لفت له وقالت: ـ متقولش حاجة يا بابا. ـ بس يا بنتي… ـ عارف إيه اللي أنا مش عايزاه يا بابا؟ سكت. ـ مش عايزة حد يفتكر إنك غلطت لما رفضت العرسان عشاني. إنت كنت فاكر إنك بتحافظ على وعد أخويا ليك، وأنا طول عمري كنت فاكرة إن الوعد ده معناه إن كارم اختارني زي ما أنا اخترته.
وبصت لكارم. ـ بس واضح إن كل واحد فينا كان فاهم الموضوع بطريقة مختلفة. كارم فضل واقف مكانه، وشه بدأ يتغير. كان داخل وهو متوقع خناقة، وصوت عالي، واتهامات، ويمكن حتى إن علياء تعيط قدام الناس. لكن ردها كان أهدى من اللازم. وده بالذات هو اللي هزه. قال لها: ـ علياء، أنا… قاطعت كلامه: ـ متبررش.
ـ أنا كنت… ـ قولتلك متبررش. سكت كارم. علياء مسحت دمعة نزلت على خدها بسرعة وقالت: ـ أنا مش زعلانة إنك بتحب واحدة تانية. نورهان رفعت عينيها لها باستغراب. علياء كملت: ـ أنا زعلانة إنك استنيت لحد النهارده عشان تقول. الجملة نزلت على كارم كأنها صفعة. حاول يرد: ـ أنا كنت خايف… ضحكت علياء ضحكة قصيرة مليانة وجع.
ـ خايف من إيه؟ مني؟ ـ من بابا… ومن عمي… ومن اللي هيحصل. ـ يعني كنت عارف إن اللي بتعمله غلط وسكت؟ كارم ما ردش. ـ كنت عارف إنهم بيجهزوا اليوم ده، وعارف إن أبويا رفض عرسان عشاني، وعارف إن عمك بيكلمه عنك طول السنين دي… وسكت. قال كارم بصوت منخفض: ـ أنا مكنتش عارف أقول.
علياء هزت رأسها: ـ لأ، كنت عارف… بس كنت مستني الوقت اللي تكون فيه جاهز تقول. وبعدين بصت لنورهان. ـ وإنتِ؟ نورهان اتوترت وقالت: ـ أنا… ـ متخافيش. أنا مش هعمل لك حاجة. ـ أنا كنت عارفة إنه مش عايز الجوازة دي. سالم بص لكارم بحدة. لكن علياء رفعت إيدها تمنعه من الكلام. ـ كان بيقول لك إيه عني؟ نورهان اترددت.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.